المستكشف الإماراتي "راشد 2" يستعد لاستكشاف الجانب البعيد من القمر في عام 2026

مهمة مستكشف القمر التابع لمركز محمد بن راشد للفضاء تسعى للهبوط في النصف غير المستكشف على متن مركبة "بلو غوست".

مصدر الصورة:

Emirates Lunar Mission

نجحت أربع دول فقط تاريخياً في الهبوط على سطح القمر. وفي عام 2026، تتطلع دولة الإمارات العربية المتحدة للانضمام إلى هذا النادي النخبي عبر مهمة مستكشف القمر التي تستهدف نصف الكرة القمري الذي لم يسبق للبشر استكشافه من السطح بشكل مباشر.

ينطلق المستكشف راشد 2 على متن مركبة الهبوط "بلو غوست" (Blue Ghost) المطورة من شركة "فايرفلاي أيروسبيس"، متوجهاً إلى الجانب البعيد من القمر—وهي المنطقة المحجوبة دائماً عن الرؤية من الأرض. ويحمل المستكشف، الذي سُمي تيمناً بالشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم باني دبي الحديثة، حزمة أجهزة علمية متطورة لدراسة خصائص الغبار القمري، وقياس الشحنات الكهربائية على السطح، واختبار سلوك المواد في الظروف البيئية القاسية. وقد اكتمل تطوير المركبة في نوفمبر 2025 بعد سلسلة اختبارات مكثفة شملت ثلاث قارات.

لماذا يغير الجانب البعيد قواعد اللعبة؟

الجانب البعيد من القمر ليس مظلماً؛ فهو يستقبل نفس كمية ضوء الشمس التي تصل إلى الجانب القريب، لكن مكمن الصعوبة يكمن في عزلته التامة. لا يمكن لإشارات الراديو الأرضية الوصول إليه مباشرة، مما يجعل الاتصال مستحيلاً دون الاستعانة بأقمار اصطناعية لترحيل البيانات. وعلاوة على ذلك، تتميز تضاريس هذا الجانب بوعورة فائقة، وقشرة أكثر سمكاً، وفوهات أعمق، وتكوينات صخرية سحيقة قد تكشف أسراراً جديدة عن نشأة القمر المبكرة.

وحتى الآن، لم تنجح سوى الصين في الهبوط على هذا الجانب عبر مهمة "تشانغ إي 4" في عام 2019. وتفضل معظم دول العالم توجيه رحلاتها إلى الجانب القريب نظراً لسهولة الملاحة والاتصال المباشر بالأرض، فضلاً عن طبيعة تضاريسه المستوية التي تقلل مخاطر الهبوط. ولذلك، يتطلب اقتحام الجانب البعيد مستويات متقدمة من التكنولوجيا والتنسيق الدولي، وهو ما يجسد ريادة استكشاف الفضاء في الإمارات.

يتعامل المستكشف راشد 2 مع هذه التحديات عبر منظومة شراكات دولية واسعة؛ إذ توفر "فايرفلاي أيروسبيس" مركبة الهبوط والمركبة المدارية "إليترا دارك" المسؤولتين عن التوجيه المداري والنشر على السطح، بينما يتولى القمر الاصطناعي "لونار باثفايندر" التابع لوكالة الفضاء الأوروبية ترحيل الاتصالات. كما تشارك وكالة ناسا وجهات من أستراليا بحمولات علمية إضافية كجزء من مبادرة خدمات حمولة القمر التجارية (CLPS).

رحلة التطوير والجاهزية للإطلاق

جاء تطوير هذه المركبة بعد الاستفادة من التجربة السابقة لـ "راشد 1" في عام 2023 على متن مركبة الهبوط اليابانية "هاكوتو-آر"؛ حيث عكف المهندسون الإمارتيون على تحليل البيانات بدقة لإعادة تصميم الأنظمة ورفع كفاءتها ومرونتها الميكانيكية.

خضع المستكشف لاختبارات الملاءمة الحرارية والتفريغ الهوائي الصارمة في مقر وكالة الفضاء الفرنسية (CNES) في تولوز، لمحاكاة التفاوت الحراري الحاد على سطح القمر والذي يتراوح بين -173 درجة مئوية و+127 درجة مئوية. وفي دولة الإمارات، اختبرت الفرق الهندسية كفاءة الألواح الشمسية، وآلية نشر الهوائيات، وحركة الذراع الروبوتية تحت جاذبية قمرية محاكية في منشأة "إيرث" (EARTH) التابعة لمجموعة "إيدج" (EDGE).

كما شملت التحضيرات اختبارات اهتزاز ميكانيكية قاسية تحاكي ضغوط الإطلاق، وقوى الكبح أثناء الاقتراب من سطح القمر، وصدمة الارتطام بالتربة لضمان سلامة الهيكل بالكامل. ووصف سعادة سالم حميد المري، المدير العام لمركز محمد بن راشد للفضاء، هذه الخطوة بأنها "نقطة تحول حاسمة تدفع بطموحات الدولة في استكشاف الفضاء إلى آفاق غير مسبوقة".

وفي ديسمبر 2025، اجتاز المستكشف اختبارات الدمج والربط البرمجي والميكانيكي مع مركبة الهبوط في الولايات المتحدة، وجرى التحقق من بروتوكولات الاتصال اللاسلكي وتجربة نشر المستكشف افتراضياً تحت سيناريوهات هبوط متعددة لضمان الجاهزية التامة.

الحزمة العلمية وأهداف المهمة

صمم مركز محمد بن راشد للفضاء أجهزة علمية دقيقة وخفيفة الوزن للإجابة عن تساؤلات ميدانية جوهرية:

  • دراسة الثرى القمري: فحص الخصائص الجيولوجية والحرارية للغبار والصخور السائبة التي تغطي السطح، مما يوفر بيانات حيوية لتصميم أنظمة حركة المركبات وتقنيات البناء في المستقبل.
  • رصد الشحنات الكهربائية: قياس تراكم الإلكترونات على السطح نتيجة تفاعل الرياح الشمسية مع التربة القمرية طوال اليوم، وهو عامل حاسم لحماية المعدات وضمان سلامة رواد الفضاء في الرحلات البشرية المقبلة.
  • ميكانيكا التربة واختبار المواد: دراسة مدى تحمل المعادن والمواد للظروف القاسية وتحديد أفضل تصميمات العجلات القادرة على المناورة في الغبار الناعم، مما يمهد الطريق لتأسيس قواعد قمرية دائمة.

الأثر الاستراتيجي لمشروع الإمارات لاستكشاف القمر

يمثل مشروع الإمارات لاستكشاف القمر نقلة نوعية تتجاوز المدار الأرضي المنخفض؛ فبعد تشغيل الأقمار الاصطناعية وإرسال رواد الفضاء إلى محطة الفضاء الدولية، تبرهن الدولة على قدرتها على إدارة عمليات ميكانيكية ذاتية القيادة على أجرام سماوية أخرى، وهو شرط أساسي لاستدامة استكشاف الكون.

وقد أكد سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي، خلال توقيع الاتفاقية مع "فايرفلاي أيروسبيس"، أن هذه المهمة تضع الإمارات ضمن فئة نادرة من الدول التي تقود مستقبل علوم الفضاء. ويحظى المشروع بتمويل من صندوق تكنولوجيا المعلومات والاتصالات التابع لهيئة تنظيم الاتصالات والحكومة الرقمية، مما يعكس الربط الذكي بين الطموح العلمي وتطوير الكوادر المحلية في قطاعات الروبوتات، وعلوم المواد، والأنظمة المستقلة.

ومع استمرار التحضيرات لإطلاق مهمة "بلو غوست 2" في عام 2026 من ولاية تكساس، يستعد المستكشف راشد 2 لكتابة فصل جديد في تاريخ العلوم من فوق أرض لم تطأها قدم بشرية من قبل.

Lock

لقد تجاوزت حدودك المجانية لمشاهدة المحتوى المميز لدينا

يرجى الاشتراك للحصول على وصول غير محدود إلى ابتكاراتنا.