تقنية ذكاء اصطناعي كورية تتيح للسيارات "رؤية" الطريق باستخدام الرادار فقط

نظام RAPA القائم على الذكاء الاصطناعي الاندماجي العميق يبني وعياً كاملاً بزاوية 360 درجة للطريق عبر إشارات رادار 4D فقط دون الحاجة إلى مستشعرات ليدار (LiDAR)، حاصداً جائزة الابتكار الكبرى في معرض CES 2026.

مصدر الصورة:

deep-fusion

تعتمد جميع السيارات ذاتية القيادة السائرة على الطرق اليوم على نفس المزيج الباهظ الثمن: الكاميرات، ومستشعرات ليدار (LiDAR)، والرادار؛ حيث يعمل كل منها على تغطية نقاط ضعف الآخر. ويمكن أن تكلف مستشعرات ليدار وحدها عشرات الآلاف من الدولارات لكل مركبة، وكان الافتراض السائد دائماً هو أنك بحاجة إلى هذه المستشعرات الثلاثة معاً لضمان القيادة الآمنة.

لكن شركة Deep-fusion AI طوّرت نظاماً يغير هذه المعادلة بالكامل.

نجحت هذه الشركة الناشئة الكورية الجنوبية، التي تأسست في مدينة إنشيون عام 2022 على يد الرئيس التنفيذي "سونغ هون يو" (SungHun Yu)، في تطوير نظام RAPA (وهو اختصار لـ Real-time Attention-based Pillar Architecture أو بنية الأعمدة اللحظية القائمة على تقنية الانتباه). ويمثل هذا النظام أسلوباً مبتكراً للإدراك الحسي يقرأ إشارات رادار التصوير رباعي الأبعاد (4D Radar) بمفرده لبناء صورة كاملة ومحيطية للطريق حول المركبة المتحركة، دون الحاجة لكاميرات أو مستشعرات ليدار، بالاعتماد فقط على الرادار والتعلم العميق الذي يفهم ما يراه الرادار.

وفي معرض CES 2026، حصد نظام RAPA جائزة الابتكار الكبرى (Best of Innovation Award) في فئة الذكاء الاصطناعي، وهو أرفع تقدير في هذا المجال بحدث التكنولوجيا الأكبر عالمياً. وبحلول أكتوبر 2026، من المتوقع أن تبدأ شركة تنقل عالمية في الإنتاج التجاري الضخم لسيارات الأجرة ذاتية القيادة (Robotaxis) التي تعتمد على تقنية RAPA.

لماذا ظلت القيادة الذاتية باهظة الثمن لفترة طويلة؟


لقد تسببت تكلفة أنظمة القيادة الذاتية في إبطاء تبنيها بشكل يفوق العقبات التكنولوجية نفسها. فطوال سنوات، كانت مستشعرات ليدار — التي تعتمد على أشعة الليزر لمنح المركبات وعياً مكانياً دقيقاً ثلاثي الأبعاد — أداة الإدراك الأكثر دقة المتاحة، لكنها كانت باهظة الثمن بشكل يمنع دمجها في السيارات الموجهة للسوق الاستهلاكي الواسع.

من ناحية أخرى، ساهمت أنظمة الكاميرات في خفض التكاليف، لكنها واجهت مشكلات أخرى؛ فالأمطار والضباب والوهج والظلام الدامس تضعف أداء الكاميرات في الأوقات التي يكون فيها الإدراك الدقيق أكثر أهمية. وكان رد فعل قطاع صناعة السيارات هو دمج المستشعرات الثلاثة معاً لتوقع عيوب بعضها، ورغم نجاح هذا النهج، إلا أنه أبقى التكاليف مرتفعة وزاد من تعقيد البرمجيات بشكل هائل.

أما الرادار التقليدي، فقد كان محدود القدرات تاريخياً؛ فهو ممتاز في رصد الأجسام عن بُعد، لكنه عاجز عن تحديد ماهيتها أو موقعها الدقيق في الأبعاد الثلاثية. وهنا جاء دور رادار التصوير رباعي الأبعاد (4D Imaging Radar) ليغير قواعد اللعبة؛ حيث يضيف هذا الجيل الجديد من عتاد الرادار بيانات الارتفاع إلى قياسات المدى والسرعة والزاوية التقليدية، مما ينتج سحابة نقاط (Point clouds) كثيفة تقترب مما تولده مستشعرات ليدار، ولكن بجزء بسيط من التكلفة. وبناءً على هذا التحول الجذري، أسست شركة DFAI منصتها بالكامل.

كيف يعمل نظام RAPA بتبسيط شديد؟


تتعامل معظم أنظمة الإدراك الحسي مع الرادار كعنصر دعم احتياطي — أي كأداة تحقق ثانوية بعد أن تقوم الكاميرات ومستشعرات ليدار بمعالجة المشهد بالفعل. لكن نظام RAPA يتبع مساراً مغايراً تماماً؛ فهو يأخذ إشارات الرادار الخام ويغذيها مباشرة في نموذج تعلم عميق، مما يجعل الرادار نفسه مصدر الإدراك الأساسي والمنبع الأول للمعلومات بدلاً من كونه مجرد داعم.

ويمكن تخيل الأمر على النحو التالي: بدلاً من ترجمة ما يراه الرادار إلى صيغة تتوافق مع رؤية الكاميرات وليدار، يعلّم نظام RAPA الذكاء الاصطناعي كيف يفهم بيانات الرادار بشروطها الخاصة — كأنها لغة مستقلة بذاتها. والنتيجة هي نظام متكامل لا يحتاج إلى مستشعرات أخرى لاستيعاب البيئة المحيطة.

وباستخدام أربعة رادارات مثبتة على زوايا السيارة، يبني نظام RAPA وعياً بيئياً كاملاً بزاوية 360 درجة في الوقت الفعلي؛ حيث يرسم خريطة للطريق، ويحدد الأجسام، ويتتبع الحركة باستمرار أثناء القيادة. ومع تشغيل خمسة رادارات تصوير 4D بالتزامن عبر 288 قناة، حققت الشركة معالجة 300,000 نقطة بيانات صالحة في الثانية، وهي دقة كافية لقراءة البيئات الحضرية المعقدة والمزدحمة بكل أمان.

علاوة على ذلك، فإن البنية التحتية للنظام، والتي تسميها الشركة "معيار مستشعرات الإدراك" (Perceptive Sensor Standard)، تُعرّف الإدراك الحسي كبنية برمجية ثابتة بدلاً من مجموعة مستشعرات جامدة. ويكتسب هذا الأمر أهمية عملية كبرى: فإذا قررت الشركة المصنعة للسيارات الانتقال إلى مورد عتاد راداري آخر، فلن تحتاج سوى إلى خطوة ضبط دقيق (Fine-tuning) قصيرة للبرمجيات، بينما يظل منطق الإدراك كما هو دون الحاجة لإعادة بناء النموذج من الصفر.

كما حلت الشركة عقبة ضخمة تتعلق بالبيانات; فتدريب نماذج الإدراك الحسي يتطلب عادةً مجموعات بيانات واقعية هائلة الناتجة عن قيادة ملايين الأميال وتصنيفها يدوياً. وبدلاً من ذلك، قامت DFAI ببناء بيئة محاكاة افتراضية للرادار، لتمثيل مستشعرات الترددات اللاسلكية (RF) رقمياً وتوليد إشارات رادار اصطناعية للتدريب المسبق. ونتيجة لذلك، يتعلم النموذج في بيئة المحاكاة، ثم يُنقل إلى العتاد الحقيقي بأقل قدر من التدريب الإضافي، مما يقلل وقت وتكلفة التطوير مقارنة بأنظمة الكاميرات أو ليدار التي تتطلب جمع بيانات ميدانية ضخمة.

إلى أين تتجه هذه التقنية الآن؟


لا تطرح شركة DFAI مجرد مفهوم نظري؛ بل بدأت بالفعل خطة التنفيذ؛ حيث تستعد شركة تنقل عالمية لبدء الإنتاج التجاري الضخم لسيارات الأجرة ذاتية القيادة باستخدام نظام RAPA بحلول أكتوبر 2026 — أي بعد ثلاث سنوات فقط من تأسيس الشركة، وهو جدول زمني قياسي في قطاع معروف بدورة تطويره الطويلة وبطء تسويقه التجاري.

وعلى الصعيد المحلي في كوريا، دمجت الشركة تقنيتها في مشروع مركبة سطحية غير مأهولة (Unmanned surface vehicle) بالتعاون مع شريك دفاعي كوري، مطبقةً نفس النهج المعتمد على الرادار أولاً لتوجيه السفن ذاتية القيادة في البيئات البحرية والساحلية، وهي مناطق تعاني فيها الكاميرات بسبب الضباب الكثيف وانخفاض الرؤية.

وتعمل الشركة أيضاً على تطوير نظام RAPA-RC الذي يضيف دمجاً مبكراً مع بيانات الكاميرات، ونظام RAPA-RL الذي يضيف الدمج مع مستشعرات ليدار، وكلاهما مبني على نفس "معيار مستشعرات الإدراك". ولا تعد هذه الأنظمة بدائل للنهج المعتمد على الرادار أولاً، بل هي امتدادات له وتوفر خيارات إضافية للمصنعين دون تغيير بنية الإدراك الأساسية، وتخطط الشركة لطرح وظائف جديدة وحالات استخدام موسعة في معرض CES 2027.

حظيت الشركة بدعم كبير من "مجمع إنشيون للشركات الناشئة" والمنطقة الاقتصادية الحرة في إنشيون (IFEZ) — وهو نظام بيئي كوري حيوي أرسل 14 شركة إلى معرض CES 2026، وحصدت معاً 17 جائزة ابتكار.

ولخص الرئيس التنفيذي "سونغ هون يو" نقطة انطلاق الشركة ببساطة قائلاً: "لم تبدأ فكرتنا من حدود ما يمكن للتكنولوجيا تحقيقه، بل من النقطة التي تبدأ عندها الأنظمة الحالية في الإخفاق — كالضباب، والمطر، والوهج، وتكلفة المستشعرات العالية — وحيث لا يكون السؤال الحقيقي (ما هو الممكن؟) بل (ما هو الحل الذي يمكن استدامته فعلياً في ظروف العالم الحقيقي؟)".

الخلاصة

Lock

لقد تجاوزت حدودك المجانية لمشاهدة المحتوى المميز لدينا

يرجى الاشتراك للحصول على وصول غير محدود إلى ابتكاراتنا.