ماذا يحدث عندما يُعاد تصميم التقنية الكامنة وراء التاكسي الجوي الكهربائي لتصبح طائرة عسكرية دون طيار تحلّق في تشكيلات مع أطقم المروحيات؟
مصدر الصورة:
Thunder
ظلت
المروحيات الهجومية محورًا للحروب البرية طوال نصف قرن، غير أن ساحة المعركة
الحديثة انقلبت ضدها بشكل حاد. فالطائرات المسيّرة الرخيصة، والذخائر المتسكعة،
والدفاعات الجوية المحمولة، والمراقبة المستمرة، كلها باتت تعرّض الطائرات
المنخفضة وأطقمها لخطر جسيم، وهو تحول ظهر بوضوح صارخ في أوكرانيا، حيث تراكمت
خسائر المروحيات لدى الطرفين. ويواجه المخططون العسكريون معادلة مقلقة، فالمهام ما
زالت قائمة، لكن إرسال أطقم بشرية إليها أصبح أخطر بكثير مما كان.
طائرة Thunder هي الرد الذي كشفت عنه شركة Anduril Industries الأمريكية لتقنيات الدفاع في معرض
فارنبورو الدولي للطيران في 20 يوليو 2026. وهي طائرة عمودية ذاتية القيادة، أي
طائرة تقلع وتحلّق وتعمل دون طيار على متنها ودون مشغّل يوجهها عن بُعد. وقد
طُوّرت بالشراكة مع شركة
Archer Aviation المعروفة
بالتاكسي الجوي الكهربائي، وصُممت
Thunder لا
لتحل محل المروحيات المأهولة، بل لتحلّق إلى جانبها، متقدمةً حيث يكون الخطر أشد،
كي يبقى الطيارون البشر أبعد عن التهديدات الأكثر فتكًا.
الجزء
الأكثر غرابة في قصة
Thunder هو
مصدرها. فبدلًا من تعديل هيكل طائرة عسكرية قائمة، صممت Anduril وArcher طائرة جديدة من الصفر، مستفيدتين من تقدم صناعة
الطيران الكهربائي التجاري في الدفع وتصميم المراوح والطيران العمودي. والنتيجة
نظام دفع هجين كهربائي متسلسل مقترن بمراوح مائلة، يتيح للطائرة ذاتية القيادة
الإقلاع والهبوط عموديًا كالمروحية، ثم إمالة مراوحها إلى الأمام والانطلاق على
أجنحتها كالطائرة بسرعات تتجاوز 200 عقدة. وبالتالي، لا تحتاج إلى مدرج ويمكنها
العمل من مواقع نائية غير مجهزة.
ويحمل
التصميم عدة مزايا عملية. فتغيير سرعة دوران المراوح عبر مراحل الطيران المختلفة
يقلل استهلاك الوقود والضوضاء معًا، كما تُطوى الطائرة بأكملها داخل حاوية شحن
قياسية لنقلها إلى أي مكان في العالم. ومن حيث الحجم، تنتمي Thunder إلى
الفئة الخامسة، وهي تصنيف البنتاغون للطائرات دون طيار التي يتجاوز وزنها 1,320
رطلًا، ما يضعها في نطاق وزن الطائرات الخفيفة المأهولة لا الطائرات المسيّرة
الصغيرة. وللمنصة نفسها نسخة تجارية منفصلة تطورها Archer للعملاء
المدنيين.
الاستقلالية
هي جوهر التصميم، وتعمل عبر برمجية
Lattice for Mission Autonomy من Anduril. إذ يدير النظام الطيران في تشكيلات،
والمسافات الآمنة عن الطائرات المأهولة، وتنسيق المهام، دون مشغّل بشري مخصص لكل
طائرة، ما يحرر أطقم المروحيات للتركيز الكامل على مهمتهم. وعلى متن الطائرة،
تجتمع حساسات سلبية وأخرى نشطة انتقائيًا مع الرؤية الحاسوبية وبيانات الخرائط
المخزنة والحوسبة الطرفية، لتتمكن من رصد التضاريس والعوائق والتهديدات وتصنيفها
وتتبعها أثناء التحليق.
والأهم
أن الطائرة صُممت للظروف التي تحدد ملامح الصراعات الحديثة. فملاحتها تمزج بين
تحديد الموقع البصري والقياس بالقصور الذاتي ورسم خرائط التضاريس، لتواصل الطيران
حتى عند تشويش إشارات
GPS أو الاتصالات
أو انعدام الرؤية. كما أن حجرة الحمولة معيارية، ويمكن تهيئتها للاستطلاع
والمراقبة أو معدات مكافحة الطائرات المسيّرة أو الذخائر بحسب المهمة. باختصار،
هيكل واحد مصمم لأداء أدوار عدة كانت تتطلب سابقًا طائرات مختلفة.
الصراحة
بشأن مرحلة البرنامج ضرورية. فقد عُرضت
Thunder في
فارنبورو كنموذج بالحجم الكامل، والطائرة نفسها لم تحلّق بعد. وقد أكملت طائرات
بديلة بالحجم الكامل رحلات اختبار متعددة للتحقق من التصميم، فيما تُخطط أول رحلة
لـ
Thunder ذاتها
في عام 2027. ومن المتوقع أن يبدأ التصنيع الأولي بنحو 50 وحدة سنويًا، مع إمكانية
التوسع نحو الإنتاج الكامل قبل عام 2030 إذا نما الطلب. وتفيد التقارير بمشاركة
عملاء حكوميين، وإن لم يُعلن عن أي منهم.
ومع
ذلك، يمثل الكشف عن الطائرة لحظة لافتة لصناعة الطيران. فقيام شركة تقنيات دفاعية
وشركة تاكسي جوي كهربائي معًا بإنتاج فئة جديدة من الطائرات يشير إلى أن الحدود
بين تطوير الطيران التجاري والعسكري آخذة في الترقق. كما يراهن هذا النهج على
السرعة، باستخدام سلاسل التوريد وأساليب التصنيع التجارية للتحرك أسرع مما تسمح به
عادة مشتريات الدفاع التقليدية.
تعكس Thunder تحولًا جاريًا بالفعل عبر القوات
الجوية حول العالم، يُعرف غالبًا بالتشارك بين المأهول وغير المأهول. ويقوم
المفهوم على إقران الحكم البشري بطائرات دون طيار تتحمل المخاطر، لتوسيع ما يستطيع
الطاقم رؤيته وفعله مع إبقاء البشر أبعد عن الخطر. وحتى الآن، تركزت معظم هذه
الجهود على الطائرات النفاثة ثابتة الجناح. أما الطائرة العمودية ذاتية القيادة
فتمد المنطق نفسه إلى الطيران العمودي، ميدان المروحيات، حيث تفاقمت مخاطر الأطقم
أكثر ما تفاقمت.
ويمتد
الأثر الأوسع إلى ما هو أبعد من أي جيش بعينه. فالتقنيات التي تُثبت جدواها هنا،
من الطيران العمودي الذاتي والملاحة دون GPS إلى
الدفع الهجين الكهربائي بحجم الطائرات، هي ذاتها اللبنات التي يحتاجها الطيران
المدني لطائرات الشحن المسيّرة وخدمات الطوارئ والتاكسي الجوي. وما إذا كانت Thunder ستحقق هدف الطيران في 2027 أمر لم
يتضح بعد، فالبرامج المعلنة لا تتحول دائمًا إلى طائرات عاملة. لكن ما يؤكده هذا
الكشف هو الاتجاه، فالعصر الذي كانت فيه كل طائرة تتطلب إنسانًا على متنها يقترب
من نهايته، في السماء العسكرية والمدنية على السواء.
يرجى الاشتراك للحصول على وصول غير محدود إلى ابتكاراتنا.