هل يمكن للخرسانة أن تخزن الكربون؟

تُعرف الخرسانة بمتانتها، لكن Holcim تختبر إمكانية منحها وظيفة جديدة، وهي تخزين الكربون داخل المباني طوال عمرها الافتراضي.

مصدر الصورة:

Holcim

الخرسانة تبني المدن... فهل يمكنها أيضًا المساهمة في إدارة الكربون؟

تُعد الخرسانة من أكثر مواد البناء استخدامًا في العالم، فهي تدخل في تشييد المنازل، والجسور، والأنفاق، والمستشفيات، ومختلف مشاريع البنية التحتية. إلا أن إنتاج الأسمنت، وهو المكون الأساسي في الخرسانة، يُعد من المصادر المهمة لانبعاثات ثاني أكسيد الكربون. ولهذا، ركزت جهود قطاع البناء لسنوات على تقليل هذه الانبعاثات من خلال تحسين عمليات التصنيع، وتطوير أنواع جديدة من الأسمنت، وزيادة استخدام المواد المعاد تدويرها.

أما Holcim فتتبنى نهجًا مختلفًا. فبدلًا من الاكتفاء بخفض الانبعاثات أثناء الإنتاج، تعمل الشركة على تطوير خرسانة قادرة على الاحتفاظ بجزء من الكربون داخلها طوال فترة استخدامها. ولتحقيق ذلك، طورت خلطة خرسانية تحتوي على مادة Biochar، وهي مادة غنية بالكربون تُنتج من الكتلة الحيوية. وبهذا تتحول الخرسانة من مادة إنشائية فقط إلى مادة يمكنها أيضًا المساهمة في إدارة الكربون.

كيف يتحول المخلف العضوي إلى مادة تخزن الكربون؟

تعتمد هذه التقنية على مادة Biochar، التي تُنتج من خلال عملية تُعرف باسم Pyrolysis أو الانحلال الحراري. وخلال هذه العملية، تُسخن المخلفات العضوية، مثل المخلفات الزراعية أو بقايا الأخشاب، في بيئة تكاد تخلو من الأكسجين. وبسبب غياب الأكسجين، لا تحترق هذه المواد بالطريقة التقليدية، بل يتحول جزء كبير من الكربون الموجود فيها إلى مادة صلبة مستقرة بدلًا من انطلاقه إلى الغلاف الجوي على شكل ثاني أكسيد الكربون.

ووفقًا لشركة Holcim، يمكن لكل كيلوغرام من Biochar أن يمنع انبعاث ما يصل إلى ثلاثة كيلوغرامات من ثاني أكسيد الكربون. وبعد إنتاجه، يُضاف إلى خلطات الأسمنت والملاط والخرسانة، مع احتفاظه بالكربون المخزن داخله. وبهذا لا يعمل Biochar كمكون إنشائي فقط، بل يمنح الخرسانة قدرة إضافية تتمثل في الاحتفاظ بالكربون داخل المبنى لفترات طويلة.

وتكمن أهمية هذه الفكرة في أنها تستفيد من المخلفات العضوية بدلًا من التخلص منها أو حرقها، وتحولها إلى جزء من مادة بناء متينة تستمر لعقود.

أكثر من خرسانة منخفضة الانبعاثات

تركز معظم التقنيات الحديثة للخرسانة منخفضة الكربون على تقليل الانبعاثات الناتجة عن تصنيع الأسمنت، سواء عبر استخدام مواد بديلة أو تحسين كفاءة الإنتاج. أما Holcim فتضيف بعدًا مختلفًا، إذ لا يقتصر دور الخرسانة على تقليل الانبعاثات، بل تصبح قادرة أيضًا على الاحتفاظ بالكربون داخلها بعد اكتمال عملية البناء.

وقدمت الشركة هذا المفهوم عمليًا من خلال خرسانة Net-Zero Biochar Concrete، التي استُخدمت لأول مرة في مشروع متكامل خلال Biennale Architettura di Venezia 2025. واستخدمت هذه الخرسانة في إنشاء مشروع Basic Services Unit، وهو نموذج سكني صممه المعماري Alejandro Aravena بالتعاون مع مكتب ELEMENTAL.

ووفقًا للشركة، لم يقتصر المشروع على استخدام Biochar، بل تضمن أيضًا ركامًا معاد تدويره بنسبة 100%، ليجمع بين إعادة تدوير مخلفات البناء، والاستفادة من الكتلة الحيوية، وتطوير تقنيات الخرسانة ضمن مادة إنشائية واحدة.

عندما تصبح مواد البناء جزءًا من الحل

لا تمثل خرسانة Holcim مجرد خلطة جديدة، بل تعكس اتجاهًا متناميًا في علوم المواد، يقوم على تطوير مواد بناء لا يقتصر دورها على تقليل أثرها البيئي، بل تسهم أيضًا في تحقيق أهداف الاستدامة.

ومع ذلك، لا تزال هذه التقنية في مراحلها الأولى. وسيعتمد انتشارها مستقبلًا على عوامل عدة، من بينها إنتاج Biochar بصورة مستدامة، وإمكانية تطبيقها على نطاق صناعي واسع، واستمرار تقييم أدائها الإنشائي، ومدى ملاءمتها لمختلف أنواع المشاريع.

وبدلًا من تغيير مفهوم الخرسانة بالكامل، تفتح Holcim الباب أمام تصور جديد لدورها، بحيث لا تكون مادة للبناء فقط، بل جزءًا من منظومة طويلة الأمد لإدارة الكربون.

Lock

لقد تجاوزت حدودك المجانية لمشاهدة المحتوى المميز لدينا

يرجى الاشتراك للحصول على وصول غير محدود إلى ابتكاراتنا.