أرامكو تدفن 9 ملايين طن من ثاني أكسيد الكربون سنوياً تحت الأرض

مركز الجبيل لاحتجاز الكربون في السعودية يخزن الانبعاثات الصناعية في خزانات عميقة؛ وهو ما يعادل إزالة مليوني سيارة من الطرق سنوياً.

مصدر الصورة:

Aramco

أرامكو: دفن الانبعاثات تحت الأرض بدلاً من إطلاقها في السماء تختفي تسعة ملايين طن من ثاني أكسيد الكربون كل عام، ليس في الغلاف الجوي، بل في باطن الأرض. تلتقط منشأة الجبيل التابعة لأرامكو العوادم الصناعية قبل تسربها، ثم تضغطها وتضخها على عمق 2000 متر تحت سطح الأرض داخل خزانات مياه مالحة قديمة. يبقى ثاني أكسيد الكربون هناك بشكل دائم، محتجزاً في الصخور المسامية التي كانت تحوي النفط والغاز يوماً ما. وبحلول عام 2027، سيمنع هذا المركز وحده انبعاثات تعادل إزالة مليوني سيارة من الطرقات.

لماذا تحتاج الانبعاثات الصناعية إلى حل مختلف؟

يمكن لمحطات الطاقة أن تتحول إلى الطاقة الشمسية، ويمكن للسيارات أن تعمل بالكهرباء. لكن مصافي التكرير والمصانع الكيميائية تُنتج ثاني أكسيد الكربون بشكل حتمي كجزء من التفاعلات الكيميائية ذاتها.

يؤدي تحويل الغاز الطبيعي إلى هيدروجين إلى إطلاق ثاني أكسيد الكربون، كما يولد تصنيع البتروكيماويات ملايين الأطنان سنوياً، ويُنتج تصنيع الأسمنت غاز ثاني أكسيد الكربون عند تحلل الحجر الجيري في درجات حرارة عالية. هذه ليست مجرد أوجه قصور هندسية يمكن تلافيها، بل هي عناصر أساسية في العمليات الصناعية التي تجعل الحياة الحديثة ممكنة.

تُصدر المملكة العربية السعودية 70% من إنتاجها النفطي، ويعتمد اقتصادها بشكل كبير على المواد الهيدروكربونية. لكن في الوقت ذاته، التزمت المملكة بالوصول إلى الحياد الكربوني بحلول عام 2060، ووضعت هدفاً مرحلياً يتمثل في احتجاز 44 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون سنوياً بحلول عام 2035. وتطلب تحقيق كلا الهدفين بنية تحتية قادرة على التعامل مع الانبعاثات على نطاق صناعي ضخم دون إيقاف إنتاج الطاقة.

هنا تبرز أهمية "مركز الجبيل لاحتجاز الكربون وتخزينه" (Jubail CCS hub). إنه ليس مجرد مشروع تجريبي، بل بنية تحتية مشتركة ترتبط بها منشآت صناعية متعددة بنظام مركزي واحد، مما يساهم في تقسيم التكاليف مع زيادة القدرة الاستيعابية للاحتجاز إلى أقصى حد. وتوضح أرامكو أن نموذج "المركز المشترك" يسمح للمنشآت الصناعية بمشاركة البنية التحتية لنقل وتخزين الكربون، مما يقلل المخاطر والتكاليف بفضل وفورات الحجم.

كيف يعمل نظام احتجاز الكربون وتخزينه فعلياً؟

يتبع النظام ثلاث مراحل رئيسية: الالتقاط، والنقل، والتخزين.

  • أولاً، الالتقاط من المصدر: يُفصل ثاني أكسيد الكربون من العوادم الصناعية قبل وصوله إلى الغلاف الجوي. تُنتج ثلاثة من معامل الغاز التابعة لأرامكو (الحوية، والعثمانية، وواسط) تيارات عالية النقاء من ثاني أكسيد الكربون أثناء معالجة الغاز الطبيعي، وتساهم هذه المعامل بحوالي 6 ملايين طن متري سنوياً. بينما تضيف الصناعات الأخرى في منطقة الجبيل الصناعية الـ 3 ملايين طن المتبقية.
  • ثانياً، النقل عبر الأنابيب: ينتقل ثاني أكسيد الكربون المحتجز عبر وحدات ضغط تقلل من حجمه، ثم يتحرك عبر شبكة أنابيب إلى موقع التخزين. وتدير شركة SLB البنية التحتية للنقل، مستفيدة من خبرتها العريقة في الهندسة تحت السطحية التي طورتها عبر عقود من عمليات حقول النفط.
  • ثالثاً، الحقن تحت الأرض: يُضخ ثاني أكسيد الكربون في طبقة مياه جوفية مالحة، وهي تكوينات صخرية عميقة مليئة بمياه غير صالحة للشرب أو الزراعة. تحبس هذه التكوينات الجيولوجية ثاني أكسيد الكربون بشكل دائم من خلال حواجز مادية وتفاعلات كيميائية يتحول فيها الغاز بمرور الوقت إلى مركبات صلبة ومستقرة.

يعمل المشروع كمشروع مشترك، حيث تمتلك أرامكو 60% من أسهمه، بينما تمتلك كل من Linde و SLB حصة 20%. وتجمع هذه الشراكة بين المعرفة الجيولوجية لأرامكو، وتكنولوجيا معالجة الغاز من Linde، والقدرات تحت السطحية لشركة SLB. وقد فازت شركة Larsen & Toubro بعقد البناء البالغ قيمته 1.5 مليار دولار في فبراير 2025.

نموذج المركز المشترك يغير المعادلة الاقتصادية

لا تكمن قوة الابتكار في تقنية الاحتجاز فحسب، بل في الحجم والهيكلية؛ حيث يعمل مركز احتجاز الكربون وتخزينه كمرفق خدمي إقليمي. تتصل المصانع بالبنية التحتية المركزية بدلاً من بناء أنظمة منفصلة، وهذا أمر بالغ الأهمية لأن المناطق الصناعية تضم مصادر انبعاثات عديدة ومتقاربة. وتعد الجبيل واحدة من المناطق الصناعية الكبرى في السعودية، مما يجعلها بيئة مثالية لتطبيق هذه التقنية على نطاق واسع.

قد تجد منشأة واحدة صعوبة في تبرير تكلفة بناء نظام احتجاز ونقل وتخزين خاص بها، لكن عندما تتشارك عشر منشآت في مركز واحد، تتغير الحسابات الاقتصادية بالكامل. يدعم هذا النهج خطط إدارة الكربون الأوسع في المملكة، والتي تعد جزءاً من مبادرة السعودية الخضراء واستراتيجية التنويع الاقتصادي (رؤية 2030). حيث تهدف أرامكو إلى احتجاز 11 مليون طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون بحلول عام 2035 عبر عملياتها.

الارتباط بإنتاج الهيدروجين الأزرق والأمونيا

لا يقتصر دور مركز الجبيل على تخزين الانبعاثات فحسب، بل يتيح أيضاً إنتاج وقود منخفض الكربون.

عادةً ما يؤدي إنتاج الهيدروجين من الغاز الطبيعي إلى إطلاق ثاني أكسيد الكربون. ولكن عند احتجاز هذا الغاز وتخزينه بدلاً من إطلاقه، يتحول المنتج إلى "الهيدروجين الأزرق"، وهي نفس العملية ولكن بصافي انبعاثات صفري. وتُعد "الأمونيا الزرقاء" وسيلة لتسهيل شحن الهيدروجين دولياً لأنها تظل سائلة في درجات حرارة أعلى من الهيدروجين النقي.

تنتج أرامكو 1.2 مليون طن من الأمونيا الزرقاء سنوياً في الجبيل. وقد وقعت شركات صناعية كورية جنوبية عملاقة مثل Hyundai و KNOC اتفاقيات شراء، كما عقدت شركات السيارات Geely و Renault شراكات لتطوير الطلب المستقبلي على الوقود القائم على الهيدروجين. إن عملية احتجاز الكربون تجعل هذا الوقود "منخفض الكربون" بدرجة تكفي لتلبية المعايير المناخية الدولية.

ورغم سعي الدول للابتعاد عن الوقود الأحفوري، إلا أنها لا تزال بحاجة إلى الهيدروجين لإنتاج الصلب ووقود السفن والطيران. ويسد الهيدروجين الأزرق هذه الفجوة بشكل أسرع من الهيدروجين الأخضر (الذي يعتمد على الكهرباء المتجددة)، حيث يتطلب الأخير منشآت ضخمة للطاقة الشمسية وطاقة الرياح لم يتم بناؤها بعد على نطاق عالمي كافٍ.

ماذا يعني هذا الابتكار خارج حدود السعودية؟

تمثل منشأة الجبيل "المرحلة الأولى"، وستؤدي التوسعات المستقبلية إلى زيادة القدرة الاستيعابية لأكثر من 9 ملايين طن مع انضمام المزيد من المنشآت الصناعية. ويتطلب الهدف الوطني للمملكة (44 مليون طن بحلول 2035) بناء حوالي خمسة مراكز بهذا الحجم.

وبالتوازي، تختبر أرامكو أيضاً تقنية "الالتقاط المباشر من الهواء" بالتعاون مع Siemens Energy لامتصاص الكربون من الهواء المحيط بدلاً من العوادم الصناعية. بالإضافة إلى تقنية الاحتجاز المتنقل للمركبات التي تخزن ما يصل إلى 40% من انبعاثات السيارات ليتم جمعها لاحقاً في محطات الوقود.

يخلق المشروع آلاف الوظائف في مجالات الهندسة والبناء والتشغيل، ويعزز الشراكات البحثية مع الجامعات السعودية المتخصصة في ابتكارات إدارة الكربون، ليتحقق التنويع الاقتصادي جنباً إلى جنب مع تقليل الانبعاثات. وإذا وصل مركز الجبيل إلى النطاق المخطط له، فسيصبح واحداً من أكبر مرافق عزل ثاني أكسيد الكربون في العالم. وقد يوفر أيضاً نموذجاً للمناطق الصناعية الأخرى -مثل ساحل الخليج في الولايات المتحدة، والمناطق الصناعية في الصين، والمجمعات الكيميائية الأوروبية- التي تحتاج إلى بنية تحتية مشتركة لإدارة الانبعاثات بفعالية.

لماذا يحظى هذا الابتكار بأهمية كبرى؟

لا تزال تقنية احتجاز الكربون وتخزينه موضع نقاش؛ حيث يراها المؤيدون ضرورة حتمية للصناعات التي لا يمكن إزالة الكربون منها بسرعة، بينما يجادل المعارضون بأنها مكلفة ويجب ألا تؤخر الانتقال إلى الطاقة النظيفة.

كلا الرأيين يحمل وجاهته. ولكن ما يجعل ابتكار الجبيل مهماً هو حجمه وهيكليته. هذا ليس اختباراً معملياً، بل نظام صناعي ضخم يختبر ما إذا كان احتجاز الكربون يمكن أن يعمل كبنية تحتية مشتركة عبر منطقة صناعية كبرى. قد يثبت هذا النموذج -المتمثل في ربط مرافق متعددة بشبكة نقل وتخزين مركزية- أنه أكثر عملية من توقع بناء كل منشأة لنظامها المنفصل.

يُظهر المشروع أيضاً كيف يمكن للدول المنتجة للطاقة تحقيق هدفين في آن واحد: الاستمرار في توريد الطاقة والمواد الصناعية، مع تقليل الانبعاثات الناتجة عن تلك الأنشطة.

من المقرر الانتهاء من أعمال البناء بحلول نهاية عام 2027، لتبدأ العمليات التشغيلية في 2028. وقد تتوسع القدرة الاستيعابية في المراحل اللاحقة مع ربط المزيد من المرافق الصناعية بالبنية التحتية المشتركة.

Lock

لقد تجاوزت حدودك المجانية لمشاهدة المحتوى المميز لدينا

يرجى الاشتراك للحصول على وصول غير محدود إلى ابتكاراتنا.