كلية خنزير تُبقي إنساناً على قيد الحياة: كيف جعلت شركة eGenesis المستحيل ممكناً؟

نجحت شركة التكنولوجيا الحيوية eGenesis في زراعة كلية خنزير معدلة جينياً لمريض حي، مما يفتح مساراً طبياً جديداً لأكثر من 100 ألف أمريكي على قوائم انتظار الأعضاء.

مصدر الصورة:

Egenesisbio

يموت 17 شخصاً كل يوم في الولايات المتحدة وهم ينتظرون زراعة الأعضاء؛ ليس بسبب تطور مرضهم فحسب، بل لمجرد الانتظار. وفي عام 2024، قام فريق طبي في مستشفى ماساتشوستس العام بزراعة كلية خنزير معدلة جينياً في جسم مريض حي يُدعى ريتشارد سلايمان. ولم يرفض جهازه المناعي العضو الجديد، بل بدأت الكلية في العمل بنجاح. وبناءً على ذلك، تحول ما كان يُعد حدوداً نظرية في الطب إلى واقع سريري ملموس، وكانت شركة eGenesis التي تتخذ من كامبريدج مقراً لها هي من طورت البيولوجيا الذكية التي جعلت هذا الإنجاز ممكناً.

لماذا تعجز الأعضاء البشرية المتبرع بها عن تلبية الطلب؟

ينتظر أكثر من 100 ألف أمريكي دورهم في قائمة الانتظار الوطنية لزراعة الأعضاء في أي لحظة. وتستحوذ الكلى على الحصة الأكبر؛ حيث ينتظر 83 ألف مريض عضواً واحداً يحدد ما إذا كانوا سيقضون ثلاثة أيام في الأسبوع غارقين في جلسات غسيل الكلى أم سيعيشون حياتهم بشكل طبيعي. وينتظر الكثيرون لفترات تتراوح بين 5 إلى 10 سنوات، بينما يفارق البعض الآخر الحياة قبل أن يصلهم الدور.

وعلاوة على ذلك، فإن المشكلة الأساسية لا تكمن في المهارة الجراحية أو القدرة الاستيعابية للمستشفيات، بل تكمن في قلة المعروض. فالأعضاء البشرية المتبرع بها شحيحة بطبيعتها؛ وتتطلب الجراحة متبرعاً متطابقاً، وفصيلة دم متوافقة، ونوع نسيج ملائم، وتوقيتاً دقيقاً يجمع بين توفر العضو والضرورة الطبية الملحة للمريض. ولأن كل هذه الشروط يجب أن تتطابق في وقت واحد، فإنها غالباً ما تفشل في الالتقاء.

وبناءً على ذلك، استكشف الباحثون على مدى عقود مفهوم "زراعة الأعضاء بين الأنواع الحية" (Xenotransplantation). وبرزت الخنازير كأفضل المتبرعين المحتملين لأن أعضاءها تتشابه تشريحياً مع أعضاء البشر من حيث الحجم والوظيفة. ومع ذلك، تحمل خلايا الخنازير علامات جينية يتعرف عليها النظام المناعي البشري ويهاجمها فوراً، كما أنها قد تنقل فيروسات خاصة بالخنازير إلى البشر، وتنتج بروتينات تسبب ردود فعل طاردة ومدمرة في غضون دقائق من الزراعة. لقد وضعت الطبيعة جداراً بيولوجياً منيعاً بين الخنازير والبشر، لكن تكنولوجيا تعديل الجينات القائمة على كريسبر (CRISPR) منحت شركة eGenesis الأدوات اللازمة لتفكيك هذا الجدار حجراً بحجر.

كيف تبتكر eGenesis أعضاء الخنازير المعدلة جينياً؟

تطبق شركة eGenesis استراتيجية تعديل جيني ثلاثية الأبعاد على الخنازير المتبرعة، حيث تدمج أكثر من 69 تعديلاً جينياً دقيقاً في تركيبة بيولوجية واحدة متماسكة ومتوافقة.

  • أولاً: إزالة محفزات الرفض المناعي: تحمل خلايا الخنزير ثلاثة مستضدات كربوهيدراتية محددة (جزيئات سكر على أسطح الخلايا) يتعرف عليها الجهاز المناعي البشري كأجسام غريبة ويهاجمها على الفور. وتستخدم eGenesis تقنية كريسبر لحذف الجينات المنتجة لهذه المستضدات، مما يجعل خلايا الخنزير غير مرئية لأكثر طبقات الاستجابة المناعية البشرية شراسة.
  • ثانياً: إضافة جينات التوافق البشري: بعد إزالة المستضدات الخاصة بالخنازير، تقوم eGenesis بإدخال جينات بشرية مختارة تساعد العضو المزروع على الاندماج مع البيولوجيا البشرية. وتنتج هذه الجينات بروتينات تنظم مسارات المناعة (التي قد تدمر الأنسجة الغريبة دون ذلك) وتتحكم في عوامل التخثر لمنع حدوث تجلطات خطيرة في موقع الزرع.
  • ثالثاً: تعطيل الفيروسات الكامنة: تحمل الخنازير فيروسات قهقرية كامنة (PERVs) مدمجة بشكل دائم في جينومها. ويمكن لهذه المتواليات الفيروسية أن تنتقل نظرياً إلى البشر أثناء الزراعة، مما يشكل مخاطر غير معروفة على المدى الطويل. ولذلك، قامت eGenesis بتعطيل جميع هذه الفيروسات عبر الجينوم بالكامل؛ وهو إنجاز تطلب تعديل عشرات المواقع الجينية في وقت واحد، ويمثل أحد أعقد تطبيقات تكنولوجيا كريسبر في أي حيوان حي.

والنتيجة هي إنتاج خنزير لا تحمل كليتاه أو قلبه أو كبده أي معالم بيولوجية تثير الرفض المناعي البشري، بل تحمل بروتينات بشرية تساعد على الاندماج، وخالية تماماً من الفيروسات القابلة للانتقال. وبذلك يصبح العضو غريباً عن الخنزير نفسه، ولكنه يبدو مألوفاً ومرحباً به تماماً بالنسبة للجهاز المناعي البشري.

المحطة التاريخية لعام 2024 التي غيرت كل شيء

كان المريض ريتشارد سلايمان قد خضع لعملية زراعة كلية بشرية قبل سنوات. وعندما بدأت تلك الكلية في الفشل، واجه احتمال العودة المؤلمة إلى غسيل الكلى بانتظار متبرع بشري آخر.

ولكن بدلاً من ذلك، قام الجراحون في مستشفى ماساتشوستس العام بزراعة كلية خنزير معدلة جينياً من شركة eGenesis في مارس 2024. استغرقت العملية حوالي أربع ساعات، وفي الأيام التي تلتها، عملت الكلية الجديدة بكفاءة. ولم يظهر جسد سلايمان رد الفعل الطارد والعنيف الذي كان ينهي دائماً كل محاولة سابقة لزراعة الأعضاء من الحيوانات إلى البشر على المدى الطويل.

ولم يكن هذا الإجراء مجرد إنجاز جراحي بارز، بل كان إثباتاً عملياً على أن 69 تعديلاً جينياً — تم تصميمها بعناية على مدى سنوات من البحث من قِبل علماء eGenesis — يمكن أن تنتج عضواً متوافقاً مع البيولوجيا البشرية بما يكفي للحفاظ على الحياة خارج المختبر. ووصف الدكتور تاتسو كافاي، جراح الزرع الذي قاد العملية، الإجراء بأنه خطوة حاسمة نحو جعل زراعة الأعضاء بين الأنواع خياراً سريرياً متاحاً. وتساهم البيانات السريرية الناتجة عن حالة سلايمان اليوم في توجيه المرحلة التالية من أبحاث الشركة ومناقشاتها التنظيمية مع إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) للتمهيد نحو تجارب سريرية أوسع نطاقاً.

ماذا يعني النجاح على نطاق واسع لمستقبل الطب؟

إن توفير إمداد موثوق به من أعضاء الخنازير القابلة للزرع من شأنه إعادة هيكلة كيفية علاج فشل الأعضاء على مستوى العالم.

واليوم، يعتمد توقيت عمليات الزرع بالكامل على وفاة المتبرع؛ حيث تتدهور حالة المريض، وعندما يموت متبرع متوافق، يسارع الفريق الجراحي للتوفيق بين العرض والطلب في نافذة زمنية تُقاس بالساعات. ويضطر الجراحون للعمل في منتصف الليل لأن هذا هو الوقت الذي توفر فيه العضو، وليس لأنه الوقت الأمثل للمريض.

في المقابل، يمكن إنتاج الأعضاء المعدلة جينياً من شركة eGenesis، وفحصها، وتوصيفها، وجعلها متاحة وفقاً لجدول زمني متوقع ومنتظم. وبذلك، يمكن لبرامج زراعة الأعضاء التخطيط للعمليات مسبقاً بدلاً من الاكتفاء بردود الفعل الطارئة. كما يمكن للمرضى الذين لا يعيشون حالياً لفترة كافية للوصول إلى قمة قائمة الانتظار الحصول على الأعضاء في وقت أبكر بكثير — ليوفروا سنوات من المعاناة في كثير من الحالات.

وعلاوة على ذلك، تمثل الكلى الفرصة الفورية الأكثر إلحاحاً لأن غسيل الكلى يعمل كجسر مؤقت يبقي المرضى على قيد الحياة أثناء الانتظار. ولكن أبحاث eGenesis تمتد أيضاً إلى القلوب والأكباد — وهي أعضاء لا يوجد لها علاج بديل مؤقت؛ فالمريض المصاب بفشل قلبي في مراحله الأخيرة، والذي لا يتلقى زرعاً في غضون أشهر، يواجه موتاً محققاً، ووجود مصدر بديل وموثوق يغير هذه الحسابات الطبية تماماً. وقد أغلقت الشركة جولة تمويل بقيمة 191 مليون دولار في عام 2023 بدعم من كبار المستثمرين لتمويل التوسع في الأبحاث الجينية، وتطوير البنية التحتية لتربية الحيوانات، وتصميم الدراسات السريرية اللازمة للتحول من حالة تاريخية فردية إلى علاج قياسي معتمد رسمياً.

Lock

لقد تجاوزت حدودك المجانية لمشاهدة المحتوى المميز لدينا

يرجى الاشتراك للحصول على وصول غير محدود إلى ابتكاراتنا.